Ultimate magazine theme for WordPress.

“الوطني” تستذكر شهادة حيّة لرمز الثورة المرحوم العربي تواز

13

شهادة نقلتها: حارث نصيرة/

 

 

اختارت جريدة “الوطني” في هذا العدد أن تخصص التفاتة استذكارية للمرحوم المجاهد العربي تواز الذي وافته المنية بمنزله ببلدية العنصر بولاية وهران الخميس 22 جويلية2021، وهذا عبر إعادة نشر شهادته التاريخية لفترة ضحّى فيها بالنفس والنفيس من أجل الجزائر، هي شهادة نقلتها الجريدة بتاريخ 30 أكتوبر 2014، نقلتها آنذاك الاعلامية نصيرة حارث.

بطل الثورة المجيدة توفي عن عمر ناهز 85 عاما، وشيع جثمانه بعد صلاة الجمعة، بمقبرة العنصر.

وتتقدم جريدة “الوطني” بطاقمها الإعلامي، إثر هذا المصاب الجلل تعازيها إلى عائلة تواز، داعون من الله عز وجل أن يتغمد روحه الطاهرة بالصبر والسلوان.

“إنا لله وإنا إليه راجعون”

 

لم يكن صعبا علينا عيش مرحلة من الزمن خاضها رموز الثورة التحريرية المظفرة، إنها يوميات أحد أمجاد الجزائر إبان العهد الاستعماري الغاشم قصة الثوري المجاهد بلعربي تواز أحد الملقّبين ضمن 40 مجاهدا من عساكر العدو  بـ”الرواد الحُمر”، لم يبخل علينا ونحن من جيل اليوم في ضيافتنا في ذات يوم أكتوبر 2014، حيث أفادنا بحقائق الجهاد في سبيل تحرير الجزائر في الجنوب الغربي للوطن تحديدا ضواحي البيض، فمن كمين “البريزينا” مرورا على معارك خاضها عمي العربي كـ”الغاسول”، جبل كسال، والغزالة إلى معركة “دخلت رقيوة” و”الكتيفة” وهي من الإنطلاقات الهامة لغذ مشرق استقلت فيه الجزائر وخرج فيه عمي العربي معطوب الحرب من سجن المستعمر مرفوع الرأس ليؤكد بأن لمنطقة البيض والجنوب الغربي للجزائر حق في التاريخ الثوري  وهو أحد الشهود على حقائقه.

زُرنا المجاهد المدعو يحياوي العربي بمنزله الكائن ببلدية العنصر ووجدناه بحكم كبر السن يصارع المرض، لذا ساعدنا في نقل الشهادة الحية للأب المجاهد تواز العربي ابنه توفيق الذي أسمعه أسئلتنا وفضولنا لمعرفة كل كبيرة وصغيرة عن جهاد الآباء كون الأب لا يزال يعاني شبه الصمم الذي ورثه منذ عهد الإستعمار الغاشم من ذوي المدافع والرشاشات.

 وهذا المرض الذي جعل الأب المجاهد تواز العربي يسمعنا بصعوبة لم يمنعه مطلقا كما بدا في أن ينقل لنا بلسان فصيح  كل ما هو منقوش في ذاكرته الثورية، وهو الجزء المهم الذي فضلت “الوطني” نشره تحفظيا للأجيال الصاعدة حتى يزيد ذلك من فخرهم، وكما قال عمي العربي “ها كم مشعل الثورة وشرفونا كما شرفكم شهداء ومجاهدي هذا الوطن الحبيب”.

انطلاقة جهاد الثوري السي يحياوي كانت كغيرها من دوافع شهداء الوطن، في سبيل تحريره خالج شعور غريب نفسية المجاهد العربي تواز، فدفعه هذا إلى الالتحاق بصفوف الجيش الوطني الشعبي وعمره 21 سنة، عمي العربي من مواليد 1935 بولاية البيض ما يزال يتذكر الفاتح من شهر أكتوبر 1956 لما كان في مقتبل العمر شابا، انغرس فيه روح الجهاد والتضحية بالنفس والنفيس،  حيث صعد الجبل لما كانت الثورة قد اندلعت بالناحية الثالثة بجبل البيض بالولاية الخامسة.

أول نوفمبر 1954 تاريخ الشعلة الثورية وتلبية واجب الوطن عند عمي العربي

 

في تاريخ مفخرة الجزائريين اندلاع الثورة التحريرية المظفرة الفاتح من نوفمبر 1954 كان المجاهد العربي تواز في زهانة آنذاك، أين حضر مقتل الفرنسي المدعو “برو” على يد مجاهدي الثورة المجيدة، يقول الشاهد على حقائق الثورة :” إثرها كنت أعمل في “الدّوال” في مزرعة قرب محطة القطار، يومها حاصر العدو المنطقة وقاموا بتفتيشي والواقعة التي كنت شاهدا عليها لم تزدني إلا عزيمة ثورية، حرّكتني لأن أعود إلى مسقط رأسي لأعلن عن التحاقي بصفوف جيش التحرير الوطني”، “لا أنسى قائد الناحية المدعو عبد الوهاب والمدعوين عدة والسي براهيم ونور البشير الذي توفي مؤخرا في المستشفى العسكري بوهران منذ حوالي 3 أسابيع، كانوا رفقاء لي في مهمات التضحية في سبيل الوطن، ويضيف عمي العربي تواز مفصلا  أنه تلقى تدريباته العسكرية الأولى مع المجاهدين برحايل، رمضاني، والخيدوسي من منطقة الشرق، ونوع الأسلحة التي تدربوا عليها إنجليزية وألمانية الأصل كـ”البياسا”،وأم جي 34، وأم جي 42، والعشاري التي تعد بندقية فردية إنجليزية الأصل هذه لديها قرطاس أو رصاص من نوع خاص أحسنا في التدريب عليها واستعمالها في العمليات التي خضناها”.

 بقيت في التدريب كما يذكر عمي العربي لحوالي 20 يوما، وأول كمين تشرفت في المشاركة في نصبه هو كمين “البريزينا” سنة 1957- تبعد “البريزينا” عن البيض بـ90 كليومتر- كنا وقتها فرقة تضم 12 مجاهدا، توفيوا  اليوم جميعا باستثناء بوخشبة الطيب وقادة بن حمزة الذي وافته المنية مؤخرا ، هؤلاء صمدوا في كمين “البريزينا” في مواجهة عساكر فرنسا حيث خرجوا في شاحنات محمّلة بالحطب، وقمنا بترصدهم قبل قتلهم جميعا بينهم ملازم كان على متن شاحنة جالسا والجنود الفرنسيين، وهذه الواقعة كانت سببا في مطاردتنا ولحسن الحظ أننا نجونا من قصف دبابة.

من كمين “البريزينا” إلى ثورة الغاسول ومعركة جبل الكسال يتحدث التاريخ عن بطولة رجال

في 1957 خضنا في المنطقة معركة “الغسول”، أو ثورة محجوبة –تبعد عن البيض بـ40 كيلومتر- كنا ضمن كتيبة تضم أكثر من 100 مجاهد تحت قيادة بن زكري، لا أنسى مناسبة عيد الأضحى المبارك التي صادفت المعركة كما سرد لنا المجاهد العربي تواز، وفي هذه المعركة بالتحديد ظهر بأن الحركى قد أبلغوا عن مكاننا، حيث قام عساكر فرنسا بمحاصرتنا من كل الجوانب، ولم نجد من خيار إلا أن ندخل في اشتباك تبادل طلقات الرصاص من وقت صلاة الفجر إلى العاشرة ليلا، لا أنسى كيف لحجرة أن أنقذتني من قصف دبابة بعد كنت أختبئ وراءها في عملية إطلاق النار، تحولت الحجرة الكبيرة إلى شظايا عندما قذفت برشاش الدبابة، وكان معي آنذاك في المعركة رفقائي في الجهاد في سبيل الوطن بركات جلول، وقادة فويرة، والطالب بوعلام، يتابع بالقول عمي العربي أنه كان لزاما على جميع الرفقاء في المعركة تفحص الجرحى الذين سقطوا في ميدان الشرف، حيث تبين لنا أن قائد المجموعة قد اصيب إضافة إلى 3 مجاهدين ولم يستشهد سوى مجاهد منا هو المدعو عبد المالك من أبناء سيدي الحاج، يتوقف عمي العربي قليلا عن الكلام لدى تذكره استشهاد رفيق الثورة الذي حمله على كتفيه بعد أن حل الظلام ليدخله في مغارة ويغلق عليها، عمي العربي تواز قال بأنه رفض إعطاء الجريح في الميدان الشهيد عبد المالك الماء، لأنه مضر له وهو في الحالة التي كان عليها غير أن نفسية رفيقه في المعركة لم تطاوعه وقدم له كوب ماء فراح يلفظ أنفاسه الأخيرة.

رموز التاريخ يشهد لهم بالتضحية بالنفس والنفيس لأن تحيا الجزائر، إصرارهم على أخذ الحرية جعلهم يصمدون في وجه الاستعمار الغاشم، ويتحملون الجوع والعطش لأيام معدودة كما سرد من حقائق مجاهد البندقية العربي تواز، حيث تحمل الجوع والعطش مع المجموعة التي نجت في “معركة محجوبة” لثلاث أيام، أكملوا فيها السير على الأقدام للوصول إلى الجبل المجاور وجميعهم فخورين بسقوط في المعركة 7 شهداء

 وتمعّن المجاهد العربي تواز في سرده حقائق العملية وراح يستعيد الذكرى بأنه نجا فيها بأعجوبة لتعرضه إلى خدوش خفيفة جراء قذف الذبابات، وعدنا إلى ساحة المعركة من جديد لإنتشال جثث الشهداء ودفنهم في ساحة الشرف بعد أن قامت فرنسا بانتشال جثث جنودها الذين أسقطهم رصاص المجاهدين.

أيام شتوية…جوع وعطش…تزيد من صمود الثوار لإسقاط 700 عسكري فرنسي في “الكسال”

يقول في شهادته المرحوم: “شاركت بعدها في معركة “جبل كسال” عام 1958، في شتاء بارد تشكلنا فيه في مجموعة تضم 35 مجاهد تحت قيادة المجاهد الرمز عبد الوهاب، وورد لنا من خبر حسب حقائق الثوري شهم منطقة البيض تواز احتلال العدو منطقة “ستيتن” –تبعد عن البيض بـ40 كيلومتر- واستيلاءه على جميع غنائم الأهالي، حيث طردوا من ديارهم شر طردة، ليزيدهم هذا الثوريين عزما و قوة لضرب العدو الذي نظم حفل شواء للإحتفاء بمناسبة غزو منطقة “ستيتن”.

وكشف لنا المرحوم عمي العربي أنه ” في هذه المعركة عن مثابرة وحنكة المجاهدين لضرب الفرنسيين، حيث نزلوا أفواجا أفواجا وتسلّلوا إلى عين المكان مراقبين الموقع بعد أن كان و رفقائه قد تزودوا بأسلحة “أف أم 24″، و”لا فامبار”، إضافة إلى أسلحة فردية خفيفة، ويتابع في شهاته: “دخلنا في المعركة مع العدو وفي مباغثتنا له قضينا على 80 جندي فرنسي، أين خرجنا منتصرين إلى درجة أن فرنسا اكتفت بغضب المحاصرة كالعادة وفي الحقيقة حصارها لم يزدنا إلا إيمانا بنصرة الوطن”، “أذكر جيدا أن يومها تهاطلت الثلوج على المنطقة، ولم تعكس برودة الطقس حماسنا نحن الثوار ممن التزمنا بعهد أن تحيا الجزائر، وواصلنا التضحية في معركة غزالة عام 1959 في فصل خريفي انتقلت فيه إلى جبل “بونقانا”، فرنسا لما لمست قوة الثوريين تراجعت صفوفها في المعركة نفسها مع أن الأسلحة التي استعملتها في المعركة لم تضاهي الوسائل التي كانت بحوزة الثوار كاستعمالها 6طائرات حربية من نوع “ب 29″، وهي من أنواع الأسلحة “المحرّمة” أو المحظورة، ويكفينا فخر واعتزاز أنه سقط مضحيا في هذه العملية شهيد واحد وأصيب أخرين بجروح كانت عبارة عن حروق على مستوى الوجه، والأرجل، وخرجت انا من المعركة كما يكشف عمي العربي مصابا بحروق، إذ بلغت ألسنة النيران ثيابي عندما كنت محتاطا بحشائش “العرعار” ومن أنقذني هو المجاهد العلمي قادة….نجوت إثرها لكن رفقائي الأخرين تعرضوا إلى إصابات خطيرة كإصابة رفيقي في الجهاد في عينه التي خرجت من العظم، وبقيت متدلية ونحن تحت تأثير الجوع والعطش حيث استمرينا في المشي دون أكل وشرب لأربعة أيام بسبب رفقائنا الذين أضاعوا الطريق بينما ذهبوا لإحضار المؤونة، معركة الكسال راسخة في ذاكرة رمز الثورة وبطولاته حيث كشف عن سقوط 700عسكري فرنسي في معركة قيل فيها تحدث عنها الشعراء.

  ولن أنسى كما يستذكر الرحوم عمي العربي تواز “معركة “القعدة” –تقع بواد السمار- استعملت فيها فرنسا أسلحة فتاكة وشارك فيها 1000 عسكري من جنود العدو المستبد، لكن هذا العدد كما يضيف عمي العربي تواز لم يزد من اضطهادنا بل وسرنا قُدما ونحن معتزين باستشهاد أبطال الوطن 35منهم في الميدان.”.

ليلة القبض على المجاهد العربي تواز مصابا بعد معارك أرعبت العدو

أما معركة “الرقيوة” وتنحدر تضاريسها من جبال غزالة يتحدث عنها التاريخ الذي  يعد المجاهد  العربي تواز شاهدا عليه،  إنها من أنشط العمليات التي استلهم فيها الثوار منطقة الجنوب الغربي قوتهم، ومعركة “القشيوات” سردها بالتفاصيل المملة دون ملقب فرنسا بأخطر عنصر من الرواد الحمر 40 بالمنطقة، هو تحدي رفعه المجاهدين ببلدية “الستيوات” في يوم عاصف بالثلج، قضى فيه الثوار على صف عريض من جنود فرنسا، ومعركة “بونقطة”، ومعركة “الكتيفة”، بجبل البيض زادت من حماس الثوار ويقين الشعب المستعمر بأن بزوغ نور الحرية آت ولا مفر للعدو، حيث ساند أهالي المنطقة بأبسط ما لديهم المجاهدين ولبوا مساعدتهم بمدهم بالمؤونة، هي جميعها معارك يشهد لها التاريخ الثوري الممجد مرورا إلى أشهر معركة “الخنيقات” الواقعة قرب دائرة “الغاسول”، يذكر عمي العربي تواز أنهم كانوا مشكلين في كتيبتين…يتوقف قليلا ويتأسف عن ما كانت تذره تصرفات الحركى في تسريب المعلومات عن الثوار إلي العدو، حيث ظهر هذا في الحصار الطويل الذي فاجأت به فرنسا المجاهدين، 28 شهيدا سقطت في المعركة بينهما ضابطين سيدلا محمد وحميد بلمخطار، بقيت أنا من بين الناجين لكن في هذه المعركة تعرضت إلى الإصابة بطلقات الرصاص، على مستوى الرجل واليد حيث تحطمت بندقيتي بفعل الطلقات بينما كنت مختبئا لضرب العدو وراء حجرة كبيرة، وهكذا ألقي القبض علي كما يكشف من حقائق الشاهد عن تاريخ المنطقة….يبتسم عمي العربي وكله فخر قائلا:” لحظات مثيرة عشتها أنا كنت مصابا ومجردا من السلاح إقترب مني جندي من جنود العدو بخنجر كان يمسكه وهو يرتجف لأنه طلب منه أن يقوم بتفتيشي”، ويتابع “تميزنا بزرع الرعب في فرنسا هكذا كنا رجالا صامدين”، عمي العربي منذ تاريخ 4 جويلية 1960 ألقي القبض عليه، وقضى بقية أيامه  مصابا بزنزانة البيض إلى أن نقل إلى حمام بوحجر، ولم يطلق سراحه إلا في 12 مارس من عام 1962.

 وهذه قصة عمي العربي تواز في منطقة أراد أن يبلغ للأجيال الصاعدة من خلالها عن طريق جريدة “الوطني” بأن لمنطقة البيض وضواحيها تاريخ بصمه جزائريون وجزائريات كزوجته السيدة بارون الزهرة المجاهدة تزوجها بعد استقلال الجزائر وهي ابنة مسبل وقاضي إبان الثورة، كانت من المتطوعين في خياطة الراية الوطنية التي رفعها غداة الإستقلال أهالي المنطقة، يواصل مشواره معها بعد أن اختار بعد الإستقلال وعودته من المغرب لأن يلتحق بسلك جيش التحرير الوطني وهو اليوم متقاعد منذ 1987.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.